بينَ القلم
والبندقيّة، حكايةُ تكامٌلٍ لا يعرف بها الكثير، أن تكونَ طالبًا جامعيًّا يحمل
القلم بيده الأولى لكي يخطَّ مستقبلًا مشرقًا بعلمه، وبيده الأخرى بندقيّةً ليحارب
بها عدوًّا اعتدى على أرضه ويحاول أن يأخذها منه. فحين
ناداه الواجبُ الوطنيّ لبّى
بكلّ ما لديه، وذهب ليفدي بنفسه من أجل أرضه "أرض الجنوب".و
هذه حكاية الكثير من طلّاب الجامعات في لبنان، حيث قدّمت جامعات لبنان طلّابها شهداء في حرب طوفان الأقصى، وعادت في آخر فصل الخريف من هذا العام 2024-2025 مع مقاعد دراسيّة فارغة من طلّابها. من بين هذه الجامعات، جامعة المعارف، والتي قدمت أكثر من60 شهيدًا على طريق القدس. طلّابًا مجاهدين، شهداء، توزّعوا على مختلف الكليّات والاختصاصات في الجامعة، كلية الإعلام، الهندسة، العلوم، الإدارة وكلّية الأديان
تميّز هؤلاء الطلّاب باتبّاعهم توازنًا بين حياتهم العلميّة وحياتهم الجهاديّة، فاعتبروا هذان الطريقان مكمّلان لبعضها، ليس على العكس. فاليوم نرى الكثير من الشباب الذين يختارون الجهاد ويعتبرون أنّ العلم غير مهم في هذا الطريق، وشباب آخرون اختاروا العلم واعتبروا أنّ الجهاد والعمل من الممكن أن يؤثّروا سلبيًا على دراستهم، من دون أن يفكّروا كيف يوظّفوا علمهم في طريقهم الآخر بالطريقة المناسبة، لذا نرى تباينًا واضحًا في اهتمامات جيل الشباب اليوم
ولكن
وسط كلّ هذه الاختلافات، أتى طلاّب مجاهدون ليحلّوا كنماذج أمام الجميع، من بين
هؤلاء الطلاب، 6 طلّاب، كلّ واحد منهم من كلّية مختلفة، لم يتركوا مقاعدهم
الدراسيّة أبدًا، بل تمسّكوا فيها إلى آخر أنفاسهم،4 منهم كانوا على أبواب
التخرّج، في آخر سنة جامعيّة لهم، والطالبان المتبقّيان تخرّجا خلال معركة طوفان
الأقصى، تسلّموا شهاداتهم وانطلقوا إلى واجبهم الجهادي. فتظهر من هنا صورة مختلفة
عن صورة المُقاوم المرسومة منذ زمن، تلكَ الصورة التي تُلغي الانسان المقاوم من
الحياة، فتجعله انسانًا يسعى إلى الموت والشهادة فقط من دون أن يعمل على حياته
الأخرى خارج المقاومة، وتُرسم الصّورة الأوضح لهذا المقاوم، الطالب الجامعي
طالبُ العلم المتفوّق الّذي يدرس وهو يضع نُصب عينيه هدفًا لدراسته، يريد أن يصل بعلمه إلى غايَةٍ ما، وهذا ما يجعل العلم هنا ذا نفع"علمٌ نافع"
والمجاهد الواعي للقضيّة الكبيرة التي تستحق التضحية من أجلها، فالوعي يعبّر عن أنّ هذا المجاهد لا يقاتل بطريقة عمياء، بل يفهم فعلًا لماذا يقاتل ، ومن أجل من، ويعرف أنّ القتال بالوعي والفكر والعقل هو الأساس قبل القتال بالسلاح. فهذه المعركة هي معركة وعي وبصيرة قبل أن تكون حربًا قتاليّة
لنبدأ بهؤلاء
الشباب إذًا، فكلٌّ منهم كان يحمل مسؤوليّةً كبيرة كطالبٍ جامعيّ، ففي هذا العمر
يغلب على الشباب الجامعي حبُّ الحياة والخروج والسّهر وإهمال الدّراسة، حيث
يعتبرون أنّ عمرهم هذا ليس للدرس الذين يحملونه ك همٍّ يثقل كاهلهم، لكلّ شهيد
حكاية، ولكل شهيد رسالة
ز
مِن كلّيّة الإدارة الّتي قدّمت العدد الأكبر من الشهداء على طريق القدس، 17 شهيدًا. من بينهم الشهيدعلي قبيسي، الذي كان في آخر عام دراسي له في الجامعة، تنقّل في الجامعة على اختصاصات متعدّدة في الكلّيّة نفسها، قبل وصوله أخيرًا إلى اختصاص "الاقتصاد" والذي اعتبره اختصاصًا من الممكن أن يَحُلّ بالفائدة في المستقبل على طريقه الجهادي، حيث أنّ استثماره بهذا الاختصاص كان بهدفٍ واضح جدًّا.
آخر لقاءٍ جمعني بالشّهيد كانَ في معرض الكتاب، علي، يلبِسُ زيَّ القائد الكَشفيّ، ويُعرّف الكشفيين" الصغار على المعرض، يساعدهم، يدلّهم، بكلّ لطف.. وفي كلّ مرة أستذكر الشهيد علي قبيسي، أراه بهذا المشهد الّذي يختصر الكثير عنه." بهذه القصّة اختصر الدكتور حسين حمّود طالبه الشّهيد، الّذي كان بحسب كلامه، طالبًا نشيطًا جدًّا في الصف، متكلّم ومُنصت جيّد، فضولي في المعرفة، ما يجعله يسعى دائمًا لتحدّي المعلومات الموجودة لديه وتحديثها، وحين يتكلّم، يتكلّم لتقديم إضافة وشيء جديد.و
كان الشهيد إنسانًا منتظمًا بشكلٍ كبير، وذلك بحكم تعدّد أعماله، كان قائدًا كشفيًّا، طالبًا جامعيًّا، إضافةً إلى كونه شابًّا مثقّفًا، وقد برز ذلك من خلال وجود الكثير من الكتب في منزله، وبعد الحديث مع والدته تبيّن هذا الجانب منه، فكان يقرأ الكتب على الدّوام، حتى بات ينهي الكتاب خلال يومين أو ثلاثة أيامٍ كحدٍّ أقصى، والكتاب يكون ذا منفعة دينيّة أو علميّةٍ له وليس كتابًا عاديًّا من دون فائدة، بل كان يقرأ لعلماءٍ كبار، وهذه المطالعة كانت بهدفٍ آخر أيضًا إلى جانب تغذية عقله، وهو تشجيع الآخرين والكشّفيين منهم على المطالعة، وهذا ما جعله ينشأ مجموعة خاصة على الواتساب له يلقي محاضرة من خلالها عن كلّ كتاب كان يقرأه، هذه المحاضرة كانت تشمل تلخيصًا عن هذا الكتاب لكيّ تعمّ المنفعة على الجميع
حمل
الشهيد هذه الميزة حتّى إلى جبهة الجهاد والحرب، فأبى إلّا أن يأخذ كتابًا معه إلى
هناك، فكان آخر ما قرأه هو كتاب "آداب الصلاة" للشيخ علي رضا بناهيان،
وما نقله الشباب الّذين كانوا معه على الجبهة أنّه لم يقبل إلّا أن يمرّرهذا
الكتاب على كلّ واحدٍ منهم، وهذا كان السّبب وراء تميّزه، حتى قال له أحد الشّباب
ممازحًا : "إنتَ شكلَك بدّك تستشهد..". فكيف لشاب أن يفكّر في أن يأخذ
معه الكتب والروايات وهو في طريقه إلى أرض المعركة، هو شابُّ يعي تمامًا أن المقاومة فكرٌ يحمله، وليس فقط بالسلاح
علميًّا،
منذ صغره كان متفوّقًا بالمدرسة، ولم يتراجع حتى عند دخوله إلى الجامعة، ما جعله
متفوّقًا أيضًا بعلاماته في الجامعة. يعتمد على تركيزه بالصفّ بشكلٍ كبير، فلا
يحتاج بعدها إلى الدراسة المطوّلة في المنزل، يخرج من المحاضرة ويُلقيها على مسامع
الجميع، وهذا ما أكّدهُ لنا زملاء الشّهيد، الّذين كانوا يفهمون على شرحه بشكلٍ
كبير بعد المحاضرات، وكانوا ينتظرون دومًا أن يشرح لهم الشهيد علي بطريقته أيّة
معلومة تمّ شرحها في الصفّ نظرًا لتميّزه في فهم المعلومة وإيصالها بشكل سريع
على الرّغم من كلّ هذا، ومن حياة علي التي كانت كلّها قربةً لله، كان يشعر بأنّه يريد تقديم المزيد، لم يقبل علي أن يجلس في منزله خلال الحرب أبدًأ، وعند طلبه للاسناد في منطقة بعيدة عن المواجهات، رفض ذلك، رفض أن يجلس للأكل والشرب فقط، فكان رأيه مغايرًا، إمّا أن يبقى في بيروت لمساعدة النازحين في المدارس والقيام بأنشطة مع الكشفيين، إمّا الذهاب إلى جبهة الحرب ومواجهة العدوّ. وكما نقل أحد الشباب، عندما جاء شاب لأخذه إلى الجبهة، أخبره أنّه ذاهب إلى مكان لا طعام ولا راحة فيه، واحتمال عدم العودة كبير جدًّا، ومع ذلك، كان جوابه الوحيد "أنا الّتي سمّتني أمّي حيدرة"، تأكيدًا على موقفه وعدم تراجعه مهما كانت الخطورة، حتّى ختم حياته بالشهادة
وُجد في دفتره بتاريخ 13-8-2024 هذه الكلمات: "على الرّغم من أنّني أشارك كثيرًا بالفعاليات والمشاريع الشبابيّة كالكشاف والتعبئة والندوات الحوارية وغيره، إلّا أنّني دومًا أشعر بهذا الشعور، شعور التقصير، شعور بضياع الوقت، بالفراغ.. لا أعلم إن كان هذا الشّعور جيّد أو لا، ولكنّي مثقل بالهم، هم الخدمة وملئ الفراغ وعدم إضاعة الوقت، فإن هدفي الرئيسي هو تكريس وقتي وقدراتي في خدمة هذا الخطّ والنّهج بأكبر قدر ممكن.."و
فقدت صفوف كلّيّة الهندسة في الجامعة 17 طالبًا شهيدًا، فكان من بينهم الشهيد علي عبدلله خرّيجًا في ربيع 23/24. تخرّج خلال معركة طوفان الأقصى، وبعدها عمل في احتفال التخرّج للجامعة مع دكاترة كلّيّة الإعلام حيث كان نجاح هذا الحفل بجهده وجهد زملائه والدكاترة. وفي الوقت عينه، كان يعمل علي للالتحاق بالماستر في الجامعة اللبنانية، وكان في بداية مسيرته يطمح لدخول الماستر، ولكن مع الوقت، ومع ازدياد الوعي بأن المقاومة تحتاج إلى العلم والتكنولوجيا أيضًا لمحاربة العدو، غيّر نظرته وقرر الإكمال، واختار في الماستر اختصاصًا يفيد هذه الفئة بشكلٍ كبير، ولكن لم يلحق أن يكمل هذه المسيرة العلميّة المميّزة، بل كلّلها بنهايةٍ أسمى
لاحظ الشهيد علي نقصًا في مقرّر ما في مختبر الجامعة الذي كان يدرس فيه طلاب الهندسة، ما دفعه في مشروع تخرّجه الذي شاركه فيه زميله علي جوني، إلى التفكير بإضافة آلة جديدة بهدف خدمة الطلاب، وخدمة الجامعة من حيث سعة عدد طلّاب أكثر في الصف، إضافة إلى تقديم شيء من الممكن أن يفيد طريق المقاومة في المستقبل، وذلك لأن المشروع كان يتعلّق قليلا بالموتورز الذي يستخدم في الدرون. هذا ما ذكره الدكتور حسين ترمس في حديثه عن الشهيد علي عبدلله، الذّي يُضرب فيه المثل عن مشروع تخرّج بُني على أساس جيّد، وبأهداف واضحة تخدم الاختصاص، المجتمع، البيئة وخط المقاومة. "البروجكت تبع علي موجود باللّاب تحت، حاطينله صورته، فكل ما نفوت عاللّاب ونستفيد من لي عمله، بقلّه السّلام عليكّ يا عليّ.."
كان الشّهيد مميّزًا في اختصاصه، وهذا برز من خلال علاماته ومعدّله التراكمي الذي تخرّج به. وقد نال علامة ال 90 في مشروع تخرّجه. وعند سؤالنا الدكتور حسين، عن حضور الطالب علي بالصف، كانت الإجابة توضّح التفوّق، حيث أنّ اهتمام علي بمواد الهندسة كان يترجمه بأسئلة جيّدة في الصف، هذه الأسئلة كانت تساهم في رفع مستوى الصف لأنها تشكّل تحدّيّا لدكتور المادة لكي يقدّم بنفس الروحية دائمًا، وأكثر
اهتمام الشهيد علي لا يقتصر فقط على اختصاصه، فبحسب كلام خطيبته فاطمة وزميله في الصف، كان الشهيد لخدمة المجتمع بأكمله، وبشكل أخص خدمة المقاومة. " في وقتٍ ما، كان يفكّر كيف يمكن أن يقوم بصنع طعام للشباب على الجبهة من دون أن يتلف.." من هذا الموقف يتبين أن الشهيد دائم التفكير في كل ما يخدم المقاومة بعلمه، يدرس ليسخّر علمه وفكره في تطوير إمكانات للمقاومة أو اختراع أمور أخرى جديدة تفيد هذا الخطّ
إنّ شهادة علي لم تكن غير متوقّعة، لأنّه كان إنسانًا يستحقّها بصدق، كما وصفته خطيبته، قائدًا في الأخلاق، قائد في التهذيب، قائد في الرّوحيّة، قائد في العلم، قائد في النّهج، قائد في الحب، وقائد في كلّ السّمات العالية، وقبل ذهابه، عندما جاءت الموافقة للذهاب إلى أرض المعركة، كان في غاية الفرح، تعابير وجهه لا توصف، كان يعلم أنه ذاهب للقاء أهل البيت، وعلى الرغم من شعوره الدائم بأنه سيستشهد أو عن طلبه الشهادة في حياته، إلا أنه ولآخر لحظة لم يترك علمه أو يقصّر فيه أبدًا، بل كان يجتهد يومًا بعد يوم للوصول إلى حلمه وهدفه، ف الله اختار له حياتًا أخرى استحقّها
"أصلًا
هيدا الشي بيلبقله، لي بيعرفه لرضا بيعرف إنّو ما بيلبقلوا شي غير هيدا المجال، شو
ما كان رح يختار شي ما بتتخايلي إلا بهيدا المكان يلي هو مختاره"ز
زميلة الشهيد
رضا إيراني في الحديث عن اختصاصه.ز
رضا، من بين 6 شهداء في كليّة الإعلام في الجامعة،
هو أيضًأ في آخر سنة دراسية له، كان يفكّر في مشروع تخرّجه منذ وقت طويل نتيجة
حبّه لهذا المجال وتعلّقه فيه، وانتظاره بفارغ الصبر لكي يتخرّج ويكمل الماستر
والدكتوراه، كما كان يطمح
ففي الحديث مع زميل الشهيد في الكشّاف، تبيّن هذا الطموح، حيث أخبرنا أنّه كان يسعى للدكتوراه لكي يعلّم في المستقبل في المعاهد والجامعات، وعلى الرغم من خبرته البارزة في الكشاف كونه مسؤول قسم الإعلام في مفوّضية بيروت، إلا أنه أصرّ على التسجيل في الجامعة لكي يأخذ شهادة في اختصاصه، ويغذي مهاراته وخبراته ويبلورها في أعمال جامعيّة وغيرها. أثبت الشهيد نفسه بقوّة أمام الدكاترة في الجامعة بمشاريع مميّزة شارك فيها، أخرجها، أو مثّل فيها حتّى، فكان بخبرته في الكثير من الأوقات يقوم بأعمال مع الطلاب ويساعدهم ويدلّهم على الطريق الصحيح، يشجّعهم للقيام بالمشاريع بكلمة "سهلة كتير فينا نعملها.." لم يكن يحبط أحد، بل طاقته الإيجابيّة ينشرها على جميع من حوله، وهذا ما جعل الدكتور حسين كوثراني كما قال، لا يبدأ إلا حتّى يدخل رضا الصف، فعندما يدخل يعمّ الصف بالنشاط والحيويّة، لأنه كان إنسانًا مليئًا بالطاقة خاصة في الأعمال التي يحبها، يذهب بها إلى آخر الطريق ويعطي كل طاقته لها
كان عاشقًا للعمل الكشفي، يسعى للتخطيط في كل الأوقات لتطوير الملف الإعلامي، لديه درجة عالية من التنظيم بين الكشّاف والجامعة بشكل لا يجعله يقصّر في أية جهة منها ويعطي الوقت المناسب لكل عمل، مع العلم أنّ حضوره في الجامعة لم يكن يقتصر على الدراسة فقط، بل ترشّح في السنة الثانية الدراسية له إلى نادي الفنون ونجح في الوصول، ما جعله يقوم بالعديد من الأنشطة الفنّيّة في الجامعة. كلّ هذا نتيجة بأنّ الكشّاف كان عنصر أساسي من عناصر التربية، يحث على العلم والاجتهاد، ورضا كان نموذجًا في هذا الموضوع، حيث كان بارعًا في ميدانه العلمي، وبارًا من جهة أخرى في الميدان الجهادي
مع تعدّد المسؤوليّات والتفوّق في كل منها، إلّا أنّ رضا لم يتخلّى عن جهاده، عندما اتصّلوا فيه عند الساعة الخامسة عصرًا لابلاغه بأنّه سيذهب إلى أرض المعركة في صباح اليوم التالي، لم يتردّد في الإجابة، كانت فرحته لا توصف، كفرحة طفل صغير قدّموا له هديّة، فلم يكن منه إلّا أن ذهب وأحضر الطعام لكي يطهو لأصدقائه وهو يقول:" رح طعميكن من ايديي، لحتى تقولوا أكلنا من تحت ايدين الشهيد رضا إيراني.." وكانت آخر كلماته، ورحل
الشهيد أحمد دمج، شهيدٌ من أصل 6 شهداء من كلّيّة الأديان، أب لِ4 أولاد، أستاذُ في المدرسة، طالبُ علم، ومجاهد، أربعة صفات تختصره. من يسمع بأنّ إنسانا يجمع بين كلّ هذه المسؤوليات، يخطر في باله أنّه من الممكن أن يكون مقصّرًا في بعض منها. ولكنّ الشهيد أحمد أثبت عكس هذا، فكان يوازن بينها بطريقة تجعله مميّزًا في كل واحدة منها بسعيٍ منه وبتوفيق من الله
كان "نموذجًا للإنسان القرآني"، بهذه الكلمات وصفت ابنة الشهيد أحمد والدها، طالبٌ أنهى إجازته في التاريخ، انتقل إلى التدريب والتدريس ودراسة اللغات، إضافة إلى دورات في القرآن الكريم، وانتقل بعدها إلى دراسة اختصاص العلوم القرآنية وهذا كلّه في سبيل التقرّب من الله عزّ وجلّ، وحمل مسؤولية بناء هذا المجتمع وتقرّبه من الله دائما، ما يفسّر العمل على االاستزادة والنهّل من العلم بشكل يتطوّر مع الوقت، وهذه الطاّقة نقلها إلى عائلته أيضًا، فقالت ابنته أنّه شجّعها دائمًا هي واخوتها على المشاركة بكل ما من الممكن أن يزيدهم علمًا باختصاصاتهم ودينهم بالأخص.
"كلّ ما أعلمه عن الشهيد أحمد، أنا لا أعلمه منه، أعلمه من زملائه، طلابه، من دكاترة الجامعة، يعني نحن عندما نكون نجلس في غرفنا، دائما هناك توافق غير مقصود أو غير متفق عليه من الدكاترة عندما يؤتى على سيرة الطلاب، كان الملفت من الدكاترة في الجامعة عن الحديث عن أحمد في حبّه للعلم وطلب العلم، وفي نبل أخلاقه وطيب سريرته، كان شيئًا معلومًا لدينا.." هذا ما قاله الدكتور كمال اللزيق، العميد السابق لكليّة الأديان في جامعة المعارف، حيث رافق الشهيد في عدّة مقرّرات دراسيّة لحين شهادته، حيث كان الشهيد أحمد قد سجّل مادّة في فصله الأخير مع الدكتور كمال، قبل استشهاده بوقت قصير، وبقي اسمه في اللائحة الصفيّة حتّى كلّما قرأ اسمه يذكّر للطلّاب أنّ هذا الطالب استشهد، ويحكي قصصه لهم عن تعلّقه بعلمه وحبه لتطويره على الدّوام. تركُ هذا الأثر ليس إلّا دليلا على تميّز طالب ما في اختصاصه ومعاملته
أمّا بدوره كأستاذ، أكّدت إحدى تلميذاته في مدرسة المهدي، عن معاملته الهادئة، عن صبره في الصّف، إنصاته بشكل كبير للطلّاب في كلّ مواقفهم والعمل على مساعدتهم، وحرصه المستمرّ على تزويدهم بأساسيات الدّين والقرآن والتمسّك بها في هذه الحياة. في كلّ موقف يُطرح أمامه للمساعدة، يلجأ للأحاديث القرآنية كمفتاح أوّلي للمعالجة. هذا الأستاذ النموذجيّ، المربّي، المتعلّم، والمعلّم، إلى آخر عمره وحتّى مع توالي السنين لم يتخلّى عن العلم، وفي كلّ مرّة كان يرى نفسه قادرًا بعد على الإستمرار وتعلّم المزيد، لا يبخل بذلك. قبل اندلاع الحرب الكبرى سجّل آخر مقررات له في الجامعة، وحينما ناداه واجبه الوطنيّ، واشتدت الحرب، لبّى، وختم مسيرته العلمية والدينية والجهادية، بالشهادة
12 شهيدًا من كلّيّة العلوم في الجامعة، كان من بينهم الشهيد محمد جعفر عطوي، طالًبا على باب التخرّج، عمِل على مشروع تخرّجه ولم يتبقّى له سوى تقديمه. "عندما كان في المدرسة، كانت لديه معلّمة عقيمة، وهو يحبّها كثيرًا، فكان في كلّ عيد أمّ يجمّع من مصروفه ويحضر لها هديّة، لحين ما انتهى من المدرسة، هذه المعلّمة اليوم تقول دائمًا لأمّ الشهيد، هذا ولدي أيضًا، ومنذ شهادته، وهي تمكث لأوقات طويلة أمام قبره
منذ صغره
تميّز بتفوّقه العلميّ، وأكمل بهذا التفوّق حتّى الجامعة، فكان من المتميّزين في
اختصاصه دومًا، بمعدّل تراكميّ عالي جدًّا. دخل هذا الاختصاص من الأوّل بهدف واحد
أساسي، وهو تكريس هذا الاختصاص في العمل المقاوم كما قال أخاه، ودعى الطلّاب إلى
التركيز على علمهم كما كان يفعل الشهيد، لأنّ المقاومة اليوم بحاجة للعلم والعقل
والفكر في المواجهة.
تفوّقه لم يقتصر فقط على الجامعة، فعندما كان يذهب
إلى الدورات الجهاديّة والتي بالطّبع تحتوي على الاختبارات والتقييمات العلميّة
إلى جانب البدنيّة، كان يحصّل المراكز والعلامات المتفوّقة، هذا ما ذكرته لنا
والدته.
"دايمًا كان رافعلي راسي، معتزّة في لدرجة،
عاززني.."
كان مميّزًا من كلّ النواحي، بأخلاقه، بعلاقته مع أقاربه، زملائه.. ينظّم وقته لكلّ عمل، في الكشّاف، إضافًة إلى أنّه كان يزاول ثلاثة أعمال في آنٍ واحد، في تعبئة العطور، تشريج خطوط الهواتف، وفي محل حلويّات بدوامٍ جزئي من الساعة السادسة إلى الثانية عشر ليلًا. يعود في الليل ويبدأ دراسته للجامعة، لكي لا يرى تقصيرًا في علاماته، كلّ هذا وبعد، خدم في موكب السيدة زينب، في المتابعة والمساعدة في كلّ الأمور. روى لنا دكتور الشهيد الدكتور مبارك محمد خلال حديثنا معه على أنّ الشهيد إذا لم يحصّل علامة جيّدة في إمتحان ما، كان يسعى بعدها للمشاركة الفعّالة والقيام بحلّ أسئلة إضافيّة، فلم يكن يقبل بأن تبقى علامته هكذا، وأمّا حضوره في الصف فكان واضحًا، يشارك، ويبدي اهتمامه باستمرار. "هناك طلاب بالنسبة لهم أهم شيء أن يأتوا ويفهموا الدرس ويكفي، ولكن بالنسبة للشهيد لا، كان يهمه أن يفهم الدّرس، يتفوّق، ويحصّل علامات مميّزة، وهذا تكرّر في مختلف المقرّرات." كانت لديه ثقة دائمة بنفسه أنه قادر على القيام بأي عمل، إذا كان هناك أحد آخر قادر على تعلّم شيء، فيقول أنه هو لديه القدرة أيضًا، لم يكن يعتبر أي عمل صعب، أو يخاف مثلًا، بل يتحدى نفسه، يحاول ويصل
عند بدء المعركة في 23 أيلول، طلب الشهيد أن يذهب إلى الجبهة، أن يشارك في الحرب، ولكن كانت في وقتها الأعداد كافية، حاول مرّات عديدة ولم يتمّ الأمر. فأكمل عمله في بيروت، وبحسب ما رواه والده أنّه كان يشعر بأن موعد شهادته اقترب، لا يعلم من أين أتاه هذا الشعور، ومع ذلك كان يتابع آخر مراحل مشروع تخرّجه مع دكتوره في الجامعة، لم يتوقّف عن عمله وعلمه مع شعوره بالرّحيل، وقبل نهاية الحرب بأيام، في 18 تشرين الثاني، أتت الشهادة إليه، رُزق بها وهو في بيروت، لعلّ إخلاصه في طلبها هو من أوصل به إليها
ارتقى من كلّيّة الصحّة، عشرة شهداء، من ضمنهم الشهيد علي صفوان، خرّيج عام 2023-2024 دخل الشهيد علي في اختصاص التمريض بسبب حبّه الكبيرلمساعدة النّاس، وكان متطوّعًا في الهيئة الصحيّة حتى من قبل البدء في الجامعة، واختاره ليبلور عمليًّا وبشكلٍ أوسع ما كان يقوم به في الهيئة. تخرّج الشهيد علي في اليوم الأوّل، وفي اليوم الثاني انطلق نحو الميدان، في الصفوف الأماميّة مع شباب الهيئة الصحّيّة
طموح علي في إكمال المسيرة ودراسة الطبّ، دفعه إلى التقديم على منحة في إيران، وأتت الموافقة قبيل ذهابه إلى الجبهة، وعندما وُضع في موقف الاختيار ما بين الذهاب إلى الجبهة أو السفر، اختار الدفاع عن أرضه والبقاء فيها، قائلًا إذا عاد وبقيت فرصة السفر أمامه، يسافر في وقتها. إضافةً إلى ذلك، كان عليه أن يقدّم امتحان الكولوكيوم بهدف البدء بممارسة مهنته كممرض في بلده إذا أراد الاكمال في هذا الاختصاص، وبعد أن فاتته الفرصة الأولى للتقديم بسبب عمله أيضًا في فترة الإسناد، شجّعه دكاترة اختصاصه على التقديم مرة أخرى، لأنّ تميزه باختصاصه وعلاماته المرتفعة تضعه أمام تفوّق في هذا الامتحان أيضًا، ولكن..ز
" قلي
مش انت بدك ياني إنجح؟ قلتله أنا مبلا، قلي لكن أنا ح بيّضلك وجّك، قمت قلتله علي
حبيبي ما في شي هيك، منا نجي نحضر منا نجهز حالنا، ممنوع تقدّم اذا ما بتكون
جاهز.. عم لومه لإنو هو تلميذ شاطر، بس أنا ما عارفة هو تفكيره وين، وما عارفة إنو
هو قصده بدو يبيّض وجنا عند السيدة الزهراء يعني.."ز
بهذه العبارة ودّع علي دكتورته منال سبيتي، الّتي
أشادت بتفوّقه في كل مواد اختصاصه، وأشادت بأخلاقه الجميلة وحسن تعامله مع الجميع،
حيث كان يمرّ للسلام عليها كلّ يومٍ قبل صعوده إلى المحاضرات، أنشأ علاقة مودّة مع
جميع دكاترته، حتّى باتت سيرته الحسنة تتردّد في أحاديثهم دائمًا، وهذا ما كان
مُلاحظًا خلال الحديث مع الدكتور محمد جابر ودكتورٍ آخر له، كان مقرًّبا منهما ومن
أولادهما أيضًا، كسب محبّة الجميع، بأخلاقه الحسنة ولُطفه
كما رافقت
الكتب الشهيد علي قبيسي إلى الجبهة، أخبرتنا أخت الشهيد علي صفوان أنّ الدراسة، لم
يتركها، بل رافقته ايضًا إلى ساحة الجهاد، فكان ينهل من العلم وهو في المعركة،
يدرس للكولوكيوم لكي يعود من الجبهة إلى الامتحان، ولكن ربح الامتحان الأكبر، وفاز
بالنتيجة الأجمل، وهي الشّهادة.
"كان يضع الشاي على النار، حين ضرب العدوّ
إلى جانب المكان الذي كانوا فيه، فأصاب الشهيد علي حرقٌ من الدرجة الثانية في يده،
وعرضوا عليه أن يعود لكي يتعالج، ولكن لم يوافق، وأصرّ على البقاء على الجبهة،
والاكتفاء بعلاجٍ بسيط، لحين العودة.."
تشرّفت الجامعة بزيارة عوائل الشهداء من خلال وفدٍ مكوّن من عميد الكلّيّة وبعض أفرادها، ووفدٍ من الجامعة، ليكونوا إلى جانبهم ويشاركونهم في العزاء، وفي هذا الشرف
،
نظّمت الجامعة حفلًا تكريميًّا لجميع الشهداء، استقبلت
فيه عائلاتهم، ومنحت إجازات
فخريّة بإسم كلّ شهيد
الفعاليات التي تقوم بها الأندية في الجامعة، حيث وضعت صور هؤلاء الشهداء على مداخل الجامعة لتذكّر الطلّاب أنّ أرواح زملائهم لا زالت بينهم
ممارسة كل كلّية من الكليات متابعات متواصلة مع أولياء الأمور
تتوالى أسماء
الشهداء في أروقة وأوراق الجامعة، شهيدٌ بعد شهيد تتلقّى خبرهم جامعة المعارف، فتعيش
حالَتين، بحسب ما ذكره الدكتور كمال اللّزيق عميد شؤون الطلّاب في الجامعة خلال
مقابلتنا معه. يعيشون حالة من الحزن والفقد لطلّابهم الذّين كانوا بينهم، فالجامعة
منذ البداية كان شعارها خدمة هؤلاء الطلّاب وتمارس هذا الدور من خلال اكسابهم
العلم والمهارات. وفي الجهة الأخرى، تسود حالة من الفرحة لهم والغبطة لما وصلوه
على المستوى الفردي، ربحوا نعمة من الله يحلم بها الكثير، بأنهم ساروا على طريق
الحقّ، ولهذا سميّ الشهيد شهيدًا، لأنهم يشهدون للحقّ، وهم شهدوا للحقّ.
وتخليدًا لذكراهم، لا تتوانى الجامعة عن القيام
بكلّ ما لديها من قدرة على تكريمهم، حيث تتنوّع الأنشطة اتجاه الشهداء أو اتجاه
عوائلهم
ولأنّ الفقد والألم لا يصيب العائلة فقط، فيتأثّر زملاء وأصدقاء الطلّاب الشهداء، حرصت الجامعة على أن تكون إلى جانبهم في هذه الظروف، بصدد ذلك أطلقت العمل الإرشادي منذ بداية العودة في فصل الخريف شهر 11. وفي مقابلتنا مع الاستاذة ميراي خفاجة مديرة مديرية شؤون الطلاب في الجامعة، شرحت لنا أنه كان يتألّف من مرشد ومرشدة يواكبون الطلّاب في أوقات محدّدة. هذا الإرشاد كان بشكلٍ مجّاني، إمّا فرديًّا من خلال مبادرة الطالب إلى التواصل مع المرشد وتحديد اللقاءات التي تتميّز بالسّرّيّة والأمانة والخصوصيّة. ومن الجهة الأخرى، أنجز الإرشاد مجموعة من الورش ، أهدافها كانت دعم الطالب من جميع الجهات، علميًّا ونفسيًّا
التعامل
مع الفقد بالطريقة الصّحيحة لمنع الاكتئاب، القلق وغيرها التي يمكن أن تؤثر
مستقبلًا على حياتهم، للشعور بأنهم في بيئة صحّيّة آمنة للتفريغ
استراتيجيات للطلاب للتكيف مع هذه التغيرات النفسية والأكاديمية في بيئة مختلفة مع ظروف ضاغطة
.
رفع الوعي والمهارات، المرونة الشخصية للتعامل مع الضغوط اليومية المختلفة
بعضٌ من آثارهم
نحنُ
نفتخر، لأنّه من بين أبناء الوطن وبنات الوطن، مَن كان من مؤسستنا، نحن نفتخر
أنّنا ندافع عن هذا الوطن، أنّ طلّابًا وطالبات دافعوا عن الوطن، كانوا يدرسون في
مؤسستنا، هذا الفخر لنا
عميد شؤون
الطلاب الدكتور كمال اللزّيق